الحمد لله المنعم أوجدنا من عدم وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة ووهبنا العقول والأفهام وهدانا للإسلام وعلمنا مالم نكن نعلم، وأنزل على رسوله الكتاب تبياناً لكل شيء لقوله - تعالى -: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) وهو الذي هيئ لنا أسباب محبته واستخلفنا لتبليغ رسالته وإعلاء كلمته وتحكيم شريعته وهو الذي يعين بالمدد من عنده، ويؤيد بالتوفيق ثم يتفضل بالقبول والمثوبة من جوده وكرمه كما قال - تعالى -: ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ). 

 فالحمد لله أولاً وآخراً، والحمد لله ظاهراً وباطناً، والحمد لله على نعمة الحمد، والحمد لله أبداً أبدا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ً كثيراً. 

أما بعد: 

إن تطور الأفكار والآراء عبر العصور أدى إلى ظهور الأنظمة الاقتصادية المعاصرة، وبداية يجب التأكيد على أنه لا يمكن عزل أي نظام اجتماعي أو اقتصادي عن جذوره العقيدية، وكل نظام اجتماعي أو اقتصادي يهدف إلى تحقيق المصلحة بجلب النفع ودفع الضرر، والمصلحة قد تكون خاصة أو عامة، وقد تتعارضان، ومن هنا تختلف الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية بحسب موقفها من هاتين المصلحتين. 

فالمذهب الاقتصادي الفردي والأنظمة المتفرعة عنه كالرأسمالية تجعل الفرد هدفها فتهتم بمصلحته أولاً وتقدمه على المجتمع، ويبرر ذلك بأنه حين يرعى مصلحة الفرد إنما يحقق بطريقة غير مباشرة مصلحة الجماعة، حيث أن المجتمع ليس إلا مجموعة من الأفراد. 

فلسفة هذا النظام تقوم على مبدأ الحرية، فهم يتصورون الكون آلة حركها الله - سبحانه وتعالى -، ثم تركها تدور بدون تدخل، وبذلك تم تأليه الإنسان على الأرض، وعلى أساس ذلك نما نظام المنافسة الحرة. 

" وإذا كان النظام الرأسمالي قد أدى إلى مزايا أهمها: إطلاق الباعث الشخصي والمبادرة الفردية وبواعث الرقي. إلا أنه أدى إلى مساوئ أهمها: اتجاه النشاط الاقتصادي إلى تحقيق أكبر قدر من الربح بغض النظر عن الحاجات العامة الأساسية، وانتشار البطالة والأزمات الاقتصادية والاحتكار وسوء توزيع الثروة وتفاقم ظاهرة التفاوت والصراع بين الطبقات ". 

والمذهب الاقتصادي الجماعي والأنظمة المتفرعة عنه كالاشتراكية، تجعل المجتمع هدفها فتهتم بمصلحته أولاً وتقدمه على الفرد، ويبرر ذلك بأنه حين يرعى مصلحة المجتمع إنما يحقق بطريقة غير مباشرة مصلحة الفرد، إذ الفرد لا يعيش إلا في مجتمع وإن قيمته هي بحسب قيمة مجتمعه، وإن تقدمه وتفتح ملكاته هي بحسب درجة نمو هذا المجتمع وتطوره. 

فلسفة هذا النظام تقوم على أساس أن هيمنة الفرد وملكيته لوسائل الإنتاج تؤدي إلى استغلال الطبقة العاملة وفقرها مما يثير هذه الطبقة ويدفعها للاتحاد حتى تقضي على مؤسسات النظام الرأسمالي ليحل محله النظام الاشتراكي. لقد استغل " ماركس " الحقد المشتعل في قلوب العمال وشهّر بكل وسيلة باستغلال رجال الأعمال لهم، وبدلاً من أن يدعو إلى العدالة شحذ أسلحة الصراع الطبقي ودمر الملاك باسم الاشتراكية ثم استغل ذلك التيه والضلال عند المسيحيين في أوروبا ليشهر بالدين كله واعتبره أفيون الشعوب ووسيلة الاستغلال. 

وإذا كان النظام الاشتراكي من الناحية النظرية يهدف إلى تحقيق مزايا أهمها: ضمان إشباع الحاجات العامة وتلافي البطالة والأزمات الاقتصادية، فضلاً عن رعاية مصلحة الأغلبية العاملة ومعالجة سوء توزيع الثروة، إلا أنه أدى إلى مساوئ أهمها: ضعف الحوافز الشخصية والمبادرات الفردية وباعث الرقي الاقتصادي فضلاً عن التعقيدات الإدارية وتحكم البيروقراطية وضياع الحرية الشخصية التي هي جوهر الإنسانية. 

والمذهب الاقتصادي الإسلامي والنظام الاقتصادي المنبثق عنه ينفرد بعدم ارتكازه أساساً على الفرد شأن المذهب الرأسمالي، ولا على المجتمع شأن المذهب الاشتراكي، وإنما يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، وأساس ذلك هو أن كلاً من المصلحتين الخاصة والعامة يكمل كلاهما الآخر، وفي حماية أحدهما حماية للآخر. 

فلسفة النظام الاقتصادي الإسلامي تنبني على البعد التعبدي النابع من أن الإنسان " خليفة الله في الأرض "، وعليه أن يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، وبذلك يتم الجمع بين الروح والمادة في الاقتصاد، فتنشأ خاصية الإحساس بالله - تعالى -ومراقبته في كل نشاط اقتصادي. 

وهنا يجب التنويه إلى أنه ليس معنى ما تقدم أن يتصور البعض أن المذهبية الاقتصادية الإسلامية والنظام الاقتصادي النابع منها مزاج مركب بين الرأسمالية والاشتراكية تأخذ من كل منهما جانباً. 

الحقيقة أن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد متميز له أيديولوجية اقتصادية منفردة تقـوم على مبادئ عقائدية لكون الإنسان بوجه عام " مستخلف من الله " في الأرض لعمارتها واستثمار خيراتها التي سخرها الله له بهدف إقامة مجتمع المتقين وتحقيق الغاية الأسمى وهي العبودية لله لقوله - تعالى -: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)،. 

كما أنه متميز بمبادئه الأخلاقية التي تعتبر من أهم المقاصد الشرعية المعترف بهـا، ولهذا فإن الإنسان لا يستطيع أبداً أن يتخلص من رقابة المبادئ الأخلاقية؛ لأنها مدعومة من الضمير الديني الذي ينبع من الذات الإنسانية التي تنمو بالعقيدة وتكبر بالعبادات، فممارسة النشاط الاقتصادي بكافة مجالاته تتطلب التزام الصدق والأمانة وحظر الغش وحسن الوفاء، وعدم مضارة الغير، وأن يكون العمل في أساسه مشروعاً والسلعة المباعة غير ضارة بالناس. 

فالمبادئ العقائدية والأخلاقية والمفاهيم والأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي وتحكم نشاطه الاقتصادي بكل مجالاته مختلفة تماماً عن تلك التي تقوم عليها الأنظمة الاقتصادية الأخرى سواء أكانت رأسمالية أو اشتراكية، بل إن نظرة الإسلام إلى التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة في الحياة نظرة تعاون وتكامل وهي نظرة مختلفة تماماً عن نظرة المذاهب والأنظمة الاقتصادية الأخرى والتي تنظر إليها نظرة تصارع واقتتال. 

ويظهر تميز تطبيق الحلول الاقتصادية الإسلامية عن غيرها من الحلول الرأسمالية، والاشتراكية في ثلاثة مجالات رئيسية هي: مجال الحرية الاقتصادية وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، ومجال الملكية، ومجال التوزيع. 

أ - في مجال الحرية الاقتصادية وتدخل الدولة 

الحرية الاقتصادية للأفراد في الإسلام حرية حقيقية والمنافسة الحرة الشريفة هي أساس الاقتصاد الإسلامي، فالأفراد والشركات لهم حرية العمل في الإنتاج المباح بدافع المصلحة الخاصة، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الضرر بالآخرين. 

ولكن حرية الأفراد في ممارسة النشاط الاقتصادي لا تبيح لهم إنتاج المحرمات كالخمور، ولا تجيز لهم التعامل بالربا أو الاحتكار، ولا تخولهم حبس المال عن الإنتاج أو صرفه على غير مقتضى العقل، ولا تسمح لهم بالإضرار بحقوق الآخرين أو المغالاة في تحديد أسعار السلع والخدمات. 

وإن كانت حرية الأفراد الاقتصادية ستؤهلهم للقيام بكافة أوجه النشاط الاقتصادي الذي يتطلبه المجتمع وذلك بغرض تحقيق الربح " كفرض كفاية "، فإن عجزهم عن القيام ببعض أوجه النشاط الاقتصادي لتكاليفه الباهظة كمد خطوط السكك الحديدية وإقامة الصناعات الثقيلة، أو إعراضهم عن القيام ببعض أوجه النشاط التي لا تحقق لهم أرباح كإنتاج الأسلحة الحربية، أو انحرافهم بمحاولة استغلال المشاريع الخدمية كالمدارس والمستشفيات فإنه في مثل هذه الأحوال يصير شرعاً " فرض عين " على الدولة أن تتدخل وتقوم بأوجه هذا النشاط ليس هذا فحسب بل وتراقب سلامة النشاط الاقتصادي كله بنظام الحسبة. 

يتحدد السعر العادل للسلعة أو الخدمة بالتفاعل الحر بين قوى العرض والطلب، ويقصد بالسعر العادل السعر الذي ينال رضا أطراف التبادل في السوق بحيث يغطي تكاليف الإنتاج ومعدل ربح عادي، ناتج عن حرية منافسة مشروعة بدون اتفاق أو تواطؤ بين فئات المنتجين أو البائعين أو فئات المشترين. 

تتمتع جميع عمليات التبادل الداخلية أو الخارجية بالشفافية المطلقة، وتعتمد على أسس متينة من الصدق والأمانة وبدون أي غش أو خداع أو تضليل، والالتزام ببيع السلع حسب مواصفاتها الحقيقية وليس المغالاة في الدعاية والإعلان وذلك لمنع الضرر عن المشترين والبائعين. 

فالحرية الاقتصادية للأفراد، وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وانفرادها ببعض أوجه هذا النشاط، يكمل كل منهما الآخر، فكلاهما يقره الإسلام في وقت واحد، وكلاهما أصل وليس استثناء، وكلاهما مقيد وليس مطلق. 

ب - في مجال الملكية 

حرية تملك الأفراد لوسائل الإنتاج مكفولة ومصونة بالشرع وهي الأصل وتدخل الدولة هو الاستثناء، وهو تدخل محدود لضرورات ومصالح شرعية تمنع إلحاق الضرر بباقي أفراد المجتمع أو تصحيح لملكية تم حيازتها أو التصرف فيها بطريق غير شرعي. 

فالملكية الخاصة مصونة ولكنها ليست مطلقة، بل مقيدة من حيث اكتسابها ومن حيث استعمالها، إذ المالك الحقيقي للمال في الإسلام هو الله - تعالى -والبشر مستخلفون فيه وفقاً لمراد وتوجيهات المالك الحقيقي. والإسلام يقر الملكية الخاصة والعامة في وقت واحد وهما مكملان لبعضهما، وكلاهما ليس مطلقاً بل هو مقيد بالصالح العام. 

جـ - في مجال التوزيع 

إن أساس التوزيع في الاقتصاد الإسلامي هو الحاجة في المقام الأول ثم يأتي العمل والملكية والمخاطرة في المقام الثاني، بحيث يضمن الإسلام " حد الكفاية " لكل مواطن، وذلك كحق له كإنسان يكفله له المجتمع أو الدولة بغض النظر عن جنسيته أو ديانته لقوله - تعالى -: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ). 

ويحرص الإسلام على تحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع والعدالة في توزيع الثروات والدخول كما في قوله - تعالى -: ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ)، وهذه قاعدة أساسية في النظرية الاقتصادية في الإسلام، فالملكية الفردية معترف بها ولكنها محددة بهذه القاعدة، فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية، كما يخالف هدفاً من أهداف التنظيم الاجتماعي كله، لذلك أعطى الإسلام للإمام الحق في التدخل بالأخذ من أموال الأغنياء وردها على الفقراء، لإعادة التوازن في توزيع الثروة، كما حرم الاحتكار وحظر الربا وهما الوسيلتان الرئيسيتان لجعل المال دولة بين الأغنياء. 

بعد هذا العرض للمذاهب الاقتصادية المختلفة والأنظمة الاقتصادية المعبرة عنها، ومن منطلق أن الاختلاف بين البشر فيما يعتقدون ويفكرون ويفهمون هو سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل لقوله - تعالى -: ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود 118، 119.

هذا الإيمان العميق والعقيدة الراسخة عن سنة الله في التنوع والاختلاف نتج عنها لدي فهم وسلوك صحيحين تجاه الآخر ممن يخالفني في الاعتقاد أو الشريعة أو الفكر أو الفهم في التعارف والتعايش والاعتراف بالوجود رغم الاختلاف هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية السلوكية فكان العدل والإنصاف للغير في كل المجالات ومهما كانت الأحوال والظروف هو التطبيق العملي الذي أجتهد في تحقيقه لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة 8.

من هذا المنطلق جاءت إجابة السؤال الذي تصدر هذا المقال " لماذا الاقتصاد العادل؟ " رغم إيماني الواضح والصريح بأن تبني منهج الاقتصاد الإسلامي بشقيه المذهب والنظام هو السبيل للقضاء على المشاكل الاقتصادية، والأزمات المالية العالمية المتكررة التي تعصف بالاقتصاد العالمي دون رحمة. 

 هذا بالإضافة إلى أن البعض لديه موقف مسبق أو لنقل حساسية مفرطة من مسمى الاقتصاد الإسلامي فأردت أن يكون العدل كقيمة مطلقة لا خلاف على مفهومه بين عموم الناس على اختلاف مذاهبهم ومعتقداتهم، وكذلك باعتباره قاسماً مشتركاً بين كافة الأنظمة الاقتصادية المعاصرة منطلقاً لتقديم قواعد ومبادئ ومفاهيم وأخلاق الاقتصاد الإسلامي للعالم أجمع، حيث أنها صالحة لكل زمان ومكان لقوله - تعالى-: ( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ) وفيها رحمة لجميع البشر حتى وإن كانوا غير مسلمين مصداقاً لقوله - تعالى -: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ).

  • السير الذاتية
  • لمذا الاقتصاد العادل
Created By M2000 Studio

Valid XHTML 1.0 Transitional