يُريد المرء أن يعطَى مُنَاه ويأبى الله إلا ما أراد، فأنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، وقدَرُ الله نافذ لا محالة، مُصدّاقاً لقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82-83].

في مَعنى القَضاء والقَدر
لقد سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (رواه مسلم).

قال الطحاوي: (كلُّ شيء يجري بتقدير الله ومشيئته، ومشيئتُهُ تنفذُ لا مشيئة العباد، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّبَ لحُكمه، ولا غالب لأمره).

فالمسلم لن يكون مؤمناً حتى يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره، وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف القضاء والقدر فمنهم من جعلهما شيئاً واحداً، ومنهم من عرَّفَ القضاء تعريفاً مغايراً للقدر، وخلاصة أقوالهم هي أن:

القَدَر: هو تقدير الله في الأزل بعلمه المُطلق، وهو ما لم يقع بعد.

القضاء: إذا جاء وقتُ ما قدَّر الله في الأَزل بعِلمه المطلق ووقع على العباد يكون القضاء.


آثار الإيمان بالقضاء والقدر
بعد التأكيد على أن الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان الستة، وبعد توضيح الفرق بين معنى القضاء وبين معنى القدر، يكون من الواجب معرفة آثار الإيمان بالقضاء والقدر في نفوس المسلمين، لأن هذه الآثار هي التي ستُوجِّهُ عمَل المسلمين إلى الوِجهة الصَّحيحة عند التعامل مع الأحداث الجارية.

1- القوة: المسلمون أقوياء بعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، لأنهم تربَّوا على قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيْبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُوْنَ} [التوبة: 51].

2- العِزّة: المؤمن عزيز بإيمانه بالله وقدره فلا يذل لأحد إلا لله سبحانه، لأنه عَلم أن العزّة لله جميعاً لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10].

3- الرِّضى والاطمئنان: نفسُ المؤمن راضية مطمئنة لعدل الله وحكمته ورحمته، لقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [ البقرة: 216]، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يقول: (والله لا أبالي على خير أصبحت أم على شر لأني لا أعلم ما هو الخير لي ولا ما هو الشر لي).

4- الثبات والتماسك: الذي يؤمن بقضاء الله وقدره لا يهتز ولا ينهار عند المصائب والأحداث الجلل قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11]، قال ابن عباس: (يهدي قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه).

5- اليقين: المؤمن بالله وقَدَره يُوقن بأن العاقبة للمتقين، وأن مع العسر يسراً، وأن الظلم لن يدوم، وأن الحق لابد أن ينتصر، وأن الباطل لابد أن يندحر قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21].


علينا الأخذ بالأسباب وعلى الله النتائج
الإيمان بالقضاء والقدر لا يتنافى مع العمل فقد قَرَن الله سبحانه وتعالى بين الإيمان والعمل الصالح في جميع المواضع بكتابه العزيز قال تعالى: و{َالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر]، ولا يتنافى القضاء والقدر مع التوكل على الله والأخذ بالأسباب لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي قال له: يا رسول الله: أترك ناقتي وأتوكَّل، أو أعقلُها وأتوكل؟ قال: «بل اعقلها وتوكل».
قال ابن القيم: (لا تتمُّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، والأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله تعالى، والذي خَلَق الأسبابَ هو الذي خلق النتائج، فالالتفات إلى الأسباب واعتبارها مؤثرة في المسبّبات شِرك في التوحيد، ومَحو الأسباب أن تكون أسبابًاً نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع).
الكثير من آيات القرآن الكريم تؤكد على أنَّ المُسلم عليه الأَخذ بالأسباب والتيقن من أن النتائج مِن صُنع الله وحدَه، فقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63،64]، يقول القرطبي رحمه الله: (أضاف الحرثَ إليهم والزَّرع إليه تعالى، لأن الحرثَ فِعلهم ويجري على اختيارهم، والزَّرعُ مِن فِعل الله تعالى، ويَنبُت على اختياره).
وقوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17]، قال القرطبي: (نزَلَت الآية إعلاماً بأن الله تعالى هو المُميت والمُقدّر لجميع الأشياء، وأنَّ العَبد إنما يُشارك بتكسُّبه وقصده).


لماذا في هذا التوقيت؟
قد يتساءل البعضُ لماذا هذه المقالة في هذا التوقيت؟ أُجيبُ بمُنتهى الوُضوح أنَّنا جميعاً أحوجُ ما نكون إلى أن نُنفّذ ما كلَّفنا الله به من الأخذ بالأسباب الصالحة، وألا نشغَلَ أنفسنا بالنتائج التي هي من صُنع الله وحده، فلا يخفَى على أحدٍ أنَّ ما يحدث في هذه المرحلة يجعلُ الحليم حَيران، فحِزب الحريَّة والعدالة رشَّح رئيساً بعدما رفض المجلس العسكري إقالة حكومة د.الجنزوري، وبقضاء الله وقَدَره نجَح الرئيس محمد مرسي، ومضى ما يقرُب من شهر ولم يُعلن عن تشكيل حُكومة جديدة، وأصبَحت الإشاعات حول تشكيلها أكثر من الحقائق.


من المؤكد أن الرئيس محمد مرسي يريد تشكيل الحكومة اليوم قبل غداً، ومن المؤكَّد أن التّأخير يرجع إلى صعوبات يُواجهها الرئيس، والمطلوب من الرئيس أن يأخذ بالأسباب ويُصارح هذا الشعب العظيم بالمُعوّقات، ويطالبه بإزالتها بما له من سُلطة تعلو فوق كل سلطة.

المجلس العسكري صرَّح مِراراً وتكراراً أنه ليس بديلاً للشرعية، وأنه سينسحب من الحياة السياسية بعد تسليم السلطة التشريعية لمجلس الشعب المنتخب، وتسليم السلطة التنفيذية كاملة للرئيس المنتخب في 30/6/2012، ثم وجدناه يستعيد سلطة التشريع من مجلس الشعب المنتخب من 30 مليون مصري قبل انتخابات الرئاسة بأيام، لأن المحكمة الدستورية رأت بطلان بعض مواد قانون الانتخاب الذي مِن وَضع المجلس العسكري!! ويُصدر إعلاناً دستورياً مكمّلاً قبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية لانتزاع صلاحيات الرئيس التنفيذية، ونَصَّبَ نفسه سلطة فوق سلطة الرئيس بإصداره القوانين التي وقَّعها رئيس الجمهورية!!


مطلوبٌ من المَجلس العسكري أن يأخذ بالأسباب ويوفي بما وعد به الشعب من تسليم السلطة والعودة إلى الثكنات لممارسة مهامه الأساسية في الدفاع عن حدود الوطن من أيّ اعتداء خارجي، فمِن غير المقبول الإعلانُ رسميّاً عن تسليم السلطة كاملة للرئيس المنتخب، وفي نفس الوقت يظلّ المجلس العسكري مُحتفظاً بسلطَتَي التشريع والموازنة، لأنَّ هذا يعدُّ استخفافاً بإرادة الشعب، وعليه أن يَعلم أنَّ ما يقومُ به من إجراءات للاستمرار في إدارة المَشهد السياسي غير مضمونة العواقب لأن الشعب يرفُض ممارسة الجيش للسياسة.

الشّعب المصري العظيم قام بثورة لإسقاط النظام قدَّم فيها دماء غالية لشهداء ومصابين، وقدَّر الله له التوفيقَ بانتخاب مجلسَي شعب وشورى ورئيس بإرادته الحرة، ليستكمل تحقيق مطالب ثورته ضد الاستبداد والفساد، ولكن هناك من يُحاول الالتفاف على إرادة الشعب ليُعيدَ إنتاجَ النّظام القديم مُستعيناً ببعض رُموز مؤسّسات الدّولة العميقة، وعلى الشعب المصري الأخذ بالأسباب وحماية الشرعية بالاصطفاف خَلفَ الرّئيس المُنتخب حتى يَحصل على كامِل سلطاته مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك.


المُوفَّق من سَتر القُدرة وحَصَل على الأُجرة
قدَرُ الله نافذ لا محالة بنا أو بدوننا، قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]، قال الآلوسي: ({كَتَبَ الله} أي أثبَتَ في اللوح المحفوظ أو قَضَى وحكَم، وهذا التعبير جار مجرى القسم، ولذا قال سبحانه: {لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} أي بالحُجّة والسّيف وما يجري مجراهما أو بأحدهما، {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ} على نَصر رُسُله وأوليائه {عَزِيزٌ} لا يَغلبُه غالب بل هو القاهر فوق عباده، وفي المُجمل الآية تقرّر سنّة من سُنن الله تعالى التي لا تتخلّف، وهي أن النصر سيكون حليفاً لأوليائه في الوقت الذي عَلمه وأراده،
ذكر أن سبب نزول الآية أنه لما فتح الله تعالى للمؤمنين ما فتح من الأرض، قال المؤمنون: (إنّا لنرجو الله أن يفتح لنا فارس والروم)، فقال بعض المنافقين: (أتظنون أن فارس والروم كالقرى التي تغلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت).


إلى أبناء الشعب المصري الذين لم يُشاركوا في الثورة أمامَكم فُرصة عظيمة، لتَدارك ما فَاتكم، فثوبوا إلى رُشدكم ولا تكونوا من المعاندين، وضَعوا أيديكم في أيدي إخوانكم وانحازوا للثورة قبل فوات الأوان، لأن قَدر الله نافذ، ولا رادّ لقضائه، ولا مُعقب لحُكمه، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5، 6].

إن العاقل من اتَّعظ بغيره ولم يُجرّب ما جرَّبه الآخرون وفَشلُوا فيه، والشقيُّ من اتَّعظ بنَفسه، والمُوفَّق مِن أَخذ بالأسبَاب التي شَرَعَها الله في الزَّمان والمَكان المُناسبين، وستر بأعماله الصالحة القدرة وحصل على الأجرة في الدنيا والأجر في الآخرة.

  • السير الذاتية
  • لمذا الاقتصاد العادل
Created By M2000 Studio

Valid XHTML 1.0 Transitional