عالم جمع القمامة مستقل بذاته له قوانينه ولوائحه التى تحكمه وتديره وتنظم العمل داخله، خلايا نحل تبحث وتفرز وتصنف، والمحصلة أطنان من المخلفات، كل صنف على حدة، ولكل نوع ثمنه، والذى يصل إلى آلاف الجنيهات.

داخل عالم جمع القمامة نساء ورجال وأطفال قسموا أنفسهم إلى مجموعات، كل مجموعة يسند إليها مهام محددة، تفرض عليهم من قبل "الإمبراطور"، وعليهم تنفيذها بمنتهى الدقة والالتزام حتى لا يخضعوا لعقوبات رادعة وسط حضور الآلاف من أهالى الإمبراطورية الضخمة.

أصحاب هذه "الإمبراطوريات"، أناس بسطاء بدءوا حياتهم بجمع البلاستيك والكرتون والعظام وأعادوا تدوريها، وانتهى بهم المقام إلى أموال طائلة لا حصر لها ومصانع وعمال وأطفال يعملون تحت إمرتهم لجمع المخلفات.

وتشير دراسة حديثة لمعهد بحوث الأراضى والبيئة إلى أن قمامة مصر من أغنى قمامات العالم، وأن الطن الواحد ثمنه 6 آلاف جنيه، لافتة إلى مصر تنتج 15 ألف طن يوميا، أى بما يقدر بـ90 مليون جنيه يوميا، بينما يوفر الطن الواحد 8 فرص عمل، بإجمالى 120 ألف فرصة عمل للكميات المجموعة يوميا.

"الحرية والعدالة"، اخترقت أسوار "إمبراطوريات القمامة" والتقت بعضا ممن تربعوا على عرشها، وعددا من جنودها من نساء ورجال وأطفال.

شعبان أبو عمار، من كبار العاملين فى هذا المجال، يروى تفاصيل مهنته، قائلا: "يطلق على مهنتنا اسم الكهنة، وهو التعامل مع الأشياء القديمة الموجودة فى المزابل واستخراجها وإعادة تدوريها".

وأضاف: "نبحث فى القمامة ونفرزها ليوضع كل شىء على حدة، من زجاج ومعادن وخبز وورق وأكياس بلاستيكية، ولكل نوع ثمنه، فمثلا المعدن الكيلو منه يصل إلى 5 أو 6 جنيهات، أما الخبز فالكيلو بـ75 قرشا، والورق بربع جنيه، والأكياس بنصف جنيه".

وأوضح أنه بعد ذلك يتم عزل كل مادة على حدة، وتذهب إلى المكابس لكبسها وإعادة تدويرها، وإضافة بعض المواد الجديدة إليها لتصبح منتجا جديدا.

وتابع: إنه حتى يتسنى لنا العمل فى هذه المهنة يجب أن يتوفر مكان لفرز القمامة تتراوح مساحته بين 200 متر وحتى 1000 متر، وهو ما يتوقف على الإمكانات المادية لدى العامل فى هذا المجال، فضلا عن توافر وسيلة لنقل المخلفات، سواء صناديق أو أجولة أو عربات تجرها الحمير، حيث يعمل لدى المعلم ما يتراوح بين 8 إلى 12 فردا، من سن 8 سنوات وحتى 50 سنة، مشيرا إلى أن هذه المهنة لا تعترف بالسن، خاصة أنها مربحة، حيث يحصل العامل على مبلغ من المال يتراوح بين الـ20 والـ50 جنيها يوميا، وذلك بالاتفاق بين الصبى والمعلم.

وكشف عن تقسيم المناطق بين أصحاب المهنة، حيث يقوم كل معلم بتغطية منطقة معينة.وأكد أن أفضل المناطق الممكن أن يحصل منها على قمامة قابلة للفرز هى المناطق ذات المستوى المعيشى المرتفع، حيث يوجد بها كميات من البلاستيك والمعادن التى تكون أسعارها مرتفعة للغاية.

توارث المهنة

أغلب مجتمع الزبالين من الفتيات والنساء اللاتى مارسن هذه المهنة أبا عن جد واستطعن أن يصبحن من الأثرياء بفضل هذه المهنة.

"منى" فتاة تبلغ من العمر 17 عاما، التقيناها وهى تقوم بنقل أكياس القمامة إلى المخازن، فقالت: لم أعرف سوى هذه المهنة التى أعمل بها منذ أن كان عمرى 5 أعوام، واستطعت أن أتعلم أصول المهنة، وأصبحت على درجة عالية من الخبرة بها، وعندما بلغت 15 عاما تزوجت رجلا يعمل معى بنفس المهنة، وأنجبت "محمد" وعمره الآن عام، وعندما يكبر سأعلمه المهنة.

وأضافت: "أحاول الآن أنا وزوجى أن ندخر بعض المال لنشترى مخزنا نخزن به القمامة التى سنحصل عليها من المنازل وصناديق القمامة ثم نقوم ببيعها، فتجارة القمامة تجارة مربحة جدا وسهلة وبسيطة".

قصة كفاح

ويروى عطية عبد الوهاب، رحلة عمله فى مجال القمامة قائلا: أردت أن أعمل مشروعا للقمامة، فاجتهدت فى توفير حق عربة كارو يجرها حمار، وكنت أخرج فى تمام الساعة الخامسة صباحا بالعربة إلى مستودعات القمامة، وأحضر بعض الأشياء التى أجدها هناك، مثل الزجاجات البلاستيكية والكراتين وبعض المعادن والأقمشة.

وقال: "أعمل أنا وولداى الاثنان فى نفس المهنة، ونقوم بتجميع المخلفات بعد فرزها ونخزنها يوميا داخل منزلنا حتى تصل الكمية إلى طن أو أكثر ثم نقوم ببيعها، إلى أن استطعنا شراء مخزن لتخزين هذه الأشياء، وهذه هى حياتنا اليومية".

توزيع العمل

"صفية" إحدى الفتيات اللاتى يعملن بتجميع القمامة من المنازل تحكى عن العمليات المختلفة التى تمر بها القمامة، فتقول: فى البداية تأتى سيارات نصف نقل كبيرة وأخرى صغيرة وعربات كارو، ثم تقوم بتفريغ القمامة فى المستودع، ويأتى دور فتيات تقليب القمامة واللائى يقمن بتقليبها من جميع الجوانب، وتستعد فتيات الفرز للقيام بدورهن، وكل فتاة لها وظيفة محددة تقوم بها، فهناك فتيات مسئولة عن فرز الأشياء البلاستيكية، وأخريات الأشياء الزجاجية، والأشياء المعدنية "الخردة"، وهكذا.. ثم يأتى دور فتيات التجميع بتجميع كل نصف مع بعضه تمهيدا للنقل إلى المخازن.

فرز وتدوير

ويؤكد بيومى مغربى -أحد المسئولين عن تجميع الأشياء البلاستكية- أن هناك أشياء بلاستيكية توجد بالقمامة ذات قيمة مالية عالية ويتم بيعها للمصانع، أما الأشياء البلاستيكية المكسورة فيتم تجميعها ونقلها إلى مصانع البلاستيك، التى تقوم بصهرها أو تكسيرها باستخدام ماكينات تكسير خاصة لإعادة تصنيعها.

وأشار بيومى إلى أن الأشياء الزجاجية الموجودة بالقمامة يتم تجميعها ووضعها فى أجولة ونقلها إلى المخازن، تمهيدا لبيعها لمصانع الزجاج التى تقوم بإعادة تصنيعها باستخدام معاملات حرارية معينة.

وأضاف أن هناك أشياء معدنية يتم تجميعها من القمامة وتباع بالكيلو على أنها "خردة"، وهناك فتيات مسئولات عن غسيل الأشياء البلاستيكية ويتم الغسيل باستخدام الصودا الكاوية أو الصابون السائل المركز المضاف إليه الماء الساخن، ويصل سعر الطن من البلاستيك المغسول إلى 3500 جنيه، أما البلاستيك المخلوط فيصل سعر الطن منه إلى 800 جنيه، بينما يصل سعر طن الزجاجات المعدنية إلى 1650 جنيها.

وتابع: إن هناك تعاقدا مع المصانع التى تقوم بشراء هذه الأشياء لإعادة تصنيعها، ولدينا مسئولون عن مراقبة عمليات الفرز والتقليب ومشرفون على وضع هذه الأشياء بالمخازن حتى يتم تسليمها إلى المصانع وتجار الجملة والتجزئة.

سد عجز الموازنة

وقال عبد الفتاح صلاح -الخبير الاقتصادى-: إن إعادة تدوير القمامة يضاعف سعرها إلى عشرة أضعاف ثمنها طبقا للدراسات العالمية.

وأوضح صلاح أن تدوير القمامة يعد الحل الأمثل للتخلص منها بطريقة تحد من المخاطر البيئية والصحية الناتجة عن حرقها، كما أنها تعود بالنفع الاقتصادى على الدولة فتنخفض ميزانية عقود النظافة، ويتم خلق فرص استثمارية لمنشآت صغيرة ومتوسطة الحجم تعتمد على المواد "المفروزة"، وتوجد منتجات بديلة للمواد الطبيعية مثل اللدائن كبديل للخشب، بالإضافة إلى توفير الآلاف من فرص العمل للعمال والفنيين والمهندسين والإداريين على حد سواء.

وأضاف أن مشروع تدوير القمامة ليس بدعة وإنما واقع مطبق فى العديد من الدول وبطرق تنفيذ متباينة وبنسب تدوير متفاوتة حسب ظروف كل بلد ودرجة الوعى الثقافى للسكان.

ولفت إلى أنه تم فى سنغافورة إنشاء جزيرة كاملة فى البحر من بقايا الزبالة، وفى ولاية فيلادلفيا الأمريكية ارتفعت نسبة التدوير إلى 50% بعد أن كانت 10%، وقد أثارت التجربة اهتمام أوروبا والسعودية والكويت ودول أخرى كثيرة.

وأضاف: "هناك إمبراطوريات ضخمة تم بناؤها من وراء جمع القمامة وقاموا بعمل مدارس حتى يتوارث أبناؤهم المهنة"، مشيرا إلى إمكانية استثمار أطنان المخلفات التى تصل إلى 25 مليون طن وفقا للأرقام الرسمية المعلنة عن الكميات، وبسعر 6 آلاف جنيه للطن طبقا للدراسات العلمية للمراكز البحثية عن سعر الطن.

ولفت إلى إمكانية تحقيق إيراد بيعى قدره 150 مليار جنيه تغطى قيمة العجز بالموازنة وأكثر، مشددا على أن كل المطلوب إرادة جادة وبدء فورى فى المشروع القومى لإعادة تدوير الزبالة.

  • السير الذاتية
  • لمذا الاقتصاد العادل
Created By M2000 Studio

Valid XHTML 1.0 Transitional