كل فترة من الزمن تخرج علينا شركات عالمية بالإعلان عن منتجات مالية مبتكرة ليس فيها بيع ولاشراء أو تسليم وتسلُم , تخاطب الأشخاص البسطاء من محدودي الدخل الحالمين " الواهمين " في الثراء السريع بدون عمل أو مجهود بأنه في إمكانهم الوصول إلى حلمهم عن طريق الاشتراك في هذه البرامج المبتكرة .

 البداية منذ مايزيد على عقدين من الزمان قامت مجموعة من الشركات العالمية أبرزها كويست , وبزناس , وسمارت واي , وسفن دايموند , وأحدثهم شينل الصينية بممارسة التسويق الهرمي الذي في الغالب ليس فيه سلعة تباع أو تشترى وإنما مجرد إشتراك مالي , وتبدأ اللعبة بإشتراك شخص ليصبح عضواً في البرنامج ثم يقنع أخرين ليقنع هؤلاء آخرين وهكذا وكلما زادت طبقة المشتركين حصل الأول على عمولات أكثر , وكذلك كل مشترك يُقنع من بعده بالإشتراك يحصل هو أيضاً على عمولة وهكذا وقد أجمع العلماء على تحريم التسويق الهرمي .

 من العجيب أن مجلس الدولة الصيني أصدر لوائح في عام 2005 تحظر البيع الهرمي لكن العقوبات لم تكن كافية من وجهة نظر " ليو لي تاو " عضو المجلس الوطني لنواب الشعب في الصين فطالب الحكومة الصينية بتجريم البيع الهرمي وتشديد العقوبة عليه , وبرر ذلك بأن مايزيد على مليون صيني متورطون في البيع الهرمي وأن هذا العمل قد امتص 40 مليار يوان أي مايعادل 5,23 مليار دولار , وقال لقد سبب هذا سلسلة من المشكلات الإجتماعية والأمنية بما في ذلك السطو والخطف والسرقة ! فهل هناك أحد مازال يريد العمل بالتسويق الهرمي ؟ .

 للخروج من دائرتي التحريم شرعاً والتجريم قانوناً , ظهرت شركات أخرى تعلمت من تجارب سابقاتها فأدخلت سلعة في معاملاتها المالية يشتريها المشترك ليصبح عضواً في البرنامج , وأصبح الأسم الجديد هو االبيع الشبكي أو الشجري لكي لاتنطبق عليه لفتاوي المحرمة للتسويق الهرمي باعتباره مقامرة صريحة لعدم وجود سلعة تباع وتشترى .

 وقد وصلني مؤخراً من ابن صديق لي أحد إعلانات تلك الشركات التي تتلاعب بعقول ومشاعر شباب في مقتبل العمر طامح في ثراء سريع في عالم أصبح مادياً لأبعد الحدود للإشتراك في برنامجهم ذو الثلاث مستويات أولها مقابل 60 دولار للعضوية ويحصل على ساعة أو قلم وبموجب هذه العضوية يحصل على عوائد في حسابه كلما أدخل عضواً جديداً في البرنامج , هذه المرة الأسلوب أكثر إبتكاراً لأن العضو أُعطي صفة مسوق أو موزع للشركة من خلال الإنترنت في مجموعة بيع شجري أو شبكي لسلع متنوعة مثل السلاسل والساعات وحتى أجهزة قياس الضغط وسلع أخرى كثيرة ويتم التعامل وفقاً للأسلوب التالي :

 المشترك الأول يشتري سلعة من الشركة بثمنها المعلن ليصبح عضوا في برنامج العمولات , الشركة تأخذ لنفسها 45% من قيمة السلعة والباقي وهو 55% للموزعين , بمعنى أنه لوكان ثمن السلعة 100 جنيه فإن الشركة ستأخذ 45 جنيه مقابل التكلفة والربح , والباقي وهو 55 جنيها للمشتركين " الموزعين " الذين يتم ترتيبهم بطريقة شجرية حيث يحصل المشترك الأول على نسبة مقابل كل مشتري جديد يرشحه وأيضا على نسبة من مبيعات المشترك الذي يليه وهكذا في سلسلة لاتنتهي وفقاً لنظام معقد في توزيع العمولات على المشتركين , علماً بأن شراء السلعة شرط أساسي للعضوية في البرنامج والحصول على العوائد .

 والأن هل هناك شخص يفكر بطريقة منطقية يقبل شراء سلعة ثمنها الحقيقي 45 جنيه بـ 100 جنيه ؟ أعتقد أن وضوح الإجابة يغني عن ذكرها , فالحقيقة هي أن الشخص لايريد شراء سلعة أصلاً وإنما يريد أن يكون ضمن الأعضاء المشتركين في البرنامج حتى يحصل على العوائد وإن لم يأتي بأعضاء جدد للشركة فلن يحصل على شئ , وفي هذه الحالة يكون هناك غُرم محقق للمشترك قدره 55 جنيهاً بمجرد شراءه للسلعة وتكون الشركة ضمنت زيادة مبيعاتها ولم تدفع شيئاً من أموالها للموزعين وإنما يحصلون عل العمولات من غُرم أو خسارة باقي زملائهم الذين لم يستطيعوا إقناع أعضاء جدد بالإشتراك .

 يؤكد ذلك أن صفة موزع أو مسوق غير موجودة وإن وجدت اسماً فهي شكلية فعلياً لأن الموزع يقوم ببيع وتوزيع السلعة ليحصل لنفسه على أجر لقاء هذا العمل , أما في البيع الشجري أو الشبكي فإن الموزع يدفع أجراً لكي يكون موزعاً وذلك عكس المراد من العمل .

 من هنا يتضح أن هدف البيع الشبكي هو جذب أعضاء جدد متمثلين في المسوقين أنفسهم ليجذبوا بدورهم آخرين لتتحقق العمولات الخيالية للطبقات العليا الذين هم المنظمين لهذه البرامج , وذلك لأن البيع أو التسويق الشجري برنامج لاينمو إلا في وجود من يخسر لمصلحة من يربح سواء توقف النمو أم لم يتوقف , فالخسائر للطبقات الأخيرة من المشتركين في البرنامج لازمة .

 وهناك العديد من قرارات المجامع الفقهية التي تحرم عمل شركات التسويق الشبكي أو الشجري التي تكسب فيها الأقلية على حساب خسارة الأكثرية مضمونها أن المنتج الذي تسوقه هذه الشركات مجرد ستار وذريعة للحصول على العمولات والأرباح ولما كانت هذه حقيقة المعاملة فهي محرمة شرعاً للغرر والقمار وأكل المال بالباطل .

 هنا يجب توضيح مسألة مهمة وهي أن الفتوى تتعلق بالشركات والأشخاص الذين يبيعون وهم الثراء السريع للناس عن طريق إشراكهم في مقامرة مستخدمين حيلة بيع سلعة لايرغب فيها المشتري أصلاً بغرض إضفاء الشرعية على مايقومون به من مقامرة محرمة شرعاً .

 أما من يعمل مندوب مبيعات براتب , أو راتب وعمولة , أو عمولة فقط في شركة إنتاج حقيقي أو شركة تجارية تبيع منتجات وسلع يرغب فيها المشترين وبالأسعار السائدة في السوق ويحصل على عمولته عن كل عملية أو في نهاية الشهر , وتكون العمولة نسبة معلومة فهذا عمل مشروع ولا تنطبق عليه الفتوى السابقة , وهذا الإيضاح ضروري حتى يستقيم الفهم .

 كلمة أخيرة أوجهها لمتوهمي الثراء السريع بدون عمل أو مجهود فأقول لهم إن علاج أوهامكم في قوله تعالى { وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } التوبة 105 , فمزيد من العمل وبذل الجهد هو الطريق الصحيح لزيادة الإنتاج وتنمية الاقتصاد وخلق فرص جديدة للعمل والكسب الحلال وإقامة الاقتصاد العادل الذي يحصل فيه كل عنصر من عناصر الإنتاج على حصته من عائد العملية الإنتاجية بقدر مساهمته فيها .

عبد الفتاح محمد صلاح
مشرف موقع الاقتصاد العادل

  • السير الذاتية
  • لمذا الاقتصاد العادل
Created By M2000 Studio

Valid XHTML 1.0 Transitional